الشيخ السبحاني

89

بحوث في الملل والنحل

إنّ هذه العبارات الثلاثة تهدف إلى أمر واحد ، وهو أنّ مقوّم العبادة ليس هو ظواهر الأفعال وصورها ، بل مقومها هو باطن الأعمال ومناشئها ، والخضوع الّذي ينبعث عن اعتقاد خاص في حق المعبود ، وهو : إمّا عبارة عن الاعتقاد بأُلوهية المعبود ، سواء أكانت أُلوهية حقيقية أم أُلوهية كاذبة مدّعاة ، فاللّه سبحانه إله العالم وهو الإله الحقيقي الّذي اعترف به كلّ موحّد على وجه الأرض ، كما أنّ الأوثان والأصنام آلهة مدّعاة اعتقد بأُلوهيتها عبدتها والعاكفون عليها ، فاللّه سبحانه عند المشركين كان إلهاً كبيراً وهؤلاء آلهة صغيرة ، وزّعت شؤون الإله الكبير عليهم . أو عبارة عن الاعتقاد بربوبية المعبود ، وأنّه المدبّر والمدير بنفسه . أو عبارة عن الاعتقاد باستقلال الفاعل في فعله وإيجاده ، سواء أكان مستقلًا في وجوده وذاته كما هو شأن الإله الكبير عند المشركين ، أم غير مستقل في ذاته ومخلوقاً للّه سبحانه ، ولكنه يملك شؤونه سبحانه من المغفرة والشفاعة ، أو التدبير والرزق أو الخلق ، إلى غير ذلك مما هو من شؤونه سبحانه ، والمراد من تملّكه بعض هذه الشؤون أو كلها ، هو استقلاله في ذلك المجال ، فكأنه سبحانه فوضها إليه وتقاعد هو عن العمل . هذه هي الملاكات الّتي تضفي على كل خضوع خفيف أو شديد ، لون العبادة وتميّزه عن أي تكريم وتعظيم للغير . وفي الآيات القرآنية إلماعات إلى هذه القيود الّتي ترجع حقيقتها إلى أُمور ثلاثة : أمّا الأوّل : فإليك بعض الآيات : قال سبحانه : « أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ